خليل الصفدي
167
أعيان العصر وأعوان النصر
الحمد للّه الذي جعل ولي هذه الدولة القاهرة عمادا ، وملكه من الرئاسة التي امتاز بها من غيره قيادا ، وثنى الجوزاء تحت يده لما ساد ، وسادا ، وبلغ همته العلية من المفاخر السامية مراما ، ومرادا . نحمده على نعمه التي حسنت مواقعها عند من ألفها معاجا ، ومعادا ، ومنته التي فاقت جواهرها ازدواجا ، وازديادا ، وعوارفه التي تجد النفوس لعرفها ارتياحا ، وارتيادا ، وأياديه التي تتخير الاقتراح محاسنها انتقاء ، وانتقادا . ونشهد أن لا إله إلا اللّه ، وحده لا شريك له شهادة تزعم معاطس من أنكرها عنادا ، وتخجل من تلفظ بها تقية ، وأضمر الباطل اعتقادا ، وتدحص حجج من أصر على البهتان ، وتمالا ضلالا ، وتمادى ، وتنير وجوه قائلها بياضا يوم تدلهم وجوه جاحديها سوادا . ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي ارتقى سبعا شدادا ، وأبلى في أعداء الدين القيم للّه جهادا ، وجلى غياهب العجاج ، والأسنة تحكي النجوم اتقادا ، وحمى سرح الحق فما ضره ، من صلّى اللّه عليه ، وعلى آله ، وصحبه ، الذين تسابقوا في حلبة الهدى جيادا ، واتحدوا في سبيل اللّه محبة ، وودادا ، وتقلدوا لنصر دينه بيضا صفاحا ، واعتقلوا سمرا صعادا ، ونظمت جواهر معاليهم على جيد الزمان توأما ، وفرادى صلاة لا يمل طرف السهى من مراقبتها سهادا ، ولا يعرف الأبد لأمدها ، ولا مددها نفادا ، ما نزعت يد الصباح عن منكب الظلماء حدادا ، ونفت نسمات الصبا عن عيون الأزهار رقادا ، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين . وبعد : فإن نظر الحسبة الشريفة بالشام المحروس منصب جليل القدر ، ومحل سامي الأفق لا يطلع في أوجه إلا من تم تمام البدر ، ومكان لا يستكن في ذراه إلا من رفض غش الغش ، ولم يخض في غدير الغدر من ولي أمره غدقت به الأمور ، وعلقت به مصالح الجمهور ، وساس الرعية سياسة محبتها في القلوب ، ومحلتها في الصدور ؛ لأنه ينظر فيما دق ، وجل ، وكثر ، وقل ، وانحصر بمقدار ، وضبط بمثقال ، ورطل ، وقنطار ، وكل ما ابتلعته فم كيل ، وامتد له باع ذراع أو تحدث فيه لسان ميزان مما يجلب من تحف البلاد ، ونفائس البقاع ، وكل ما يعمل من أنواع المعايش ، وكل ما أمره محرر أو سهم تقديره طائش ، وله الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والحديث فيما شأنه أن يشكى أو يشكر ، فهو الآمر في كل ذلك أجمع ، وشآبيب تأديبه تهمع ، وبروق تهديده تلمع . وكان الجناب الكريم العالي المولوي القضائي العمادي محمد بن الشيرازي ممن قتل هذا المنصب خبرا ، وقلبيته معرفته بطنا ، وظهرا ، باشره مدة أمدها اللّه بالمحاسن الباهرة ، وجعل رياضها بالعدل زاهرة ، وأتى بيوت الرئاسة من أبوابها ، وجنى ثمر السعادة من حدائق